عثمان بن جني ( ابن جني )

48

الخصائص

المديح والهجاء . ومعنى ذلك أننا نستطيع أن نربط بين فتنة الأعشى بأصوات اللين في أبياته وقوافيه ، وبين معاني أشعاره ، ومثل هذا الربط ضروري ، وتفسير ذلك : إن صدق ما نذهب إليه أنه كان يريد توكيد هذه المعاني وتثبيتها . وكانت هذه الأصوات التي تحققها حروف اللين ، والتي كان يشيعها في أبيات قصائده ويلحقها بقوافيه تتيح له مثل هذا التوكيد عن طريق التمهل ، أو قل عن طريق هذا البطء الموسيقى الذي يميز قصائده تلك " 1 " . ويتضح من هذا الكلام أن د / إبراهيم يربط بين الدلالة الصوتية للمد في شعر الأعشى وبين أغراضه ومعانيه التي وظف لها تلك السمة الصوتية . ونكاد نلمح توافقا عاما بين هذين الغرضين ( المديح والهجاء ) مع ظاهرة المد الصوتي لتلك القوافي المعبرة عن هذين الغرضين ، ويرجع ذلك في رأينا إلى ما يقتضيه هذان الغرضان من الحاجة إلى تقرير المعاني وبسطها والإطناب فيها . كما يقف د / إبراهيم وقفة أخرى ليقرر حرص الشاعر على الملاءمة بين موسيقى القصيدة معانيها ، أو قل حرصه على الملاءمة بين الصخب والضجيج والبحث الدائب عن المتعة أو الجرى وراءها ، تلك التي كان لا يريد أن يفوته شيء منها وبين موسيقى قصيدته ، فعلى الرغم من أن الأعشى أخذ ينثر فيها أصوات المد نثرا ، فإنه قد استطاع تقصير هذه الأصوات الطويلة ، والملاءمة بينها وبين الجو النفسي الذي أخذ يذيعه في القصيدة جميعا ، جو اللهفة والمتعة ، وإذا رحنا نبحث عن الوسائل التي استغلها لتقصير هذه الأصوات ألفيناها تتركز في حرص الشاعر على ألا يمد روى قوافيه كما اعتاد أن يفعل في قصائده الأخرى حتى لا يعطى لقارئ هذا الشعر فرصة التمهل عند القافية قبل أن يستأنف قراءة البيت التالي " 2 " . والحق أن أمثال هذه الإشارات اللطيفة إلى ظاهرة التكرار الصوتي وما لها من قيمة فنية قد لفتتنا إلى ضرورة الوقوف أمام هذه الظاهرة وقفة متأنية ، فأفردناها بالدراسة ضمن بحث لنا عن ظاهرة التكرار ، نظرا لاستحقاق تلك الظاهرة لإفرادها بالبحث ، وخشية من عدم إيفائها حقها من الدراسة في هذا البحث تجنبا للإطالة .

--> ( 1 ) قضايا الشعر ص 83 - 84 . ( 2 ) قضايا الشعر ص 94 .